السيد نعمة الله الجزائري
223
الأنوار النعمانية
قلت إن القرآن بحر واسع ظاهره انيق وباطنه عميق قد اشتمل على انحاء الكلام والتعبيرات الواقعة في كلام العرب المتداولة فيما بينهم من المجاز والكناية والاستعارة وإطلاق السبب على المسبب وعكسه ولا يميز مواقع كلامه تعالى بعضها عن بعض الا منم خاطبه اللّه به واطلعه على جميع معانيه ، وليس هو الا النبي صلّى اللّه عليه وآله وامره اللّه سبحانه بان يعلّمه أهل بيته المعصومين عليهم السّلام ويجب على الناس ان يرجعوا إليهم في اخذ علوم القرآن ، فهذه الالفاظ الموهمة انما هي موهمة عندنا وليس نحن مما خوطبنا به حتى يلزم الاغراء بما له ظاهر وأريد خلاف ظاهره ، والذين خوطبوا به قد فهموا معانيه منه تعالى من غير ابهام ، ولذا سمّاهم تراجمة وحيه ، وليس هذا الا من باب ان يكون سلطان له رعية لا يفهمون كلامه فيجعل بينهم وبيه مترجما في تفهيم كلام ذلك السلطان للرعية فهو يخاطب المترجم ويفهمه ما أراد والمترجم يفهم الرعية معنى كلام السلطان ، فليس للرعية ان يعترضوا ويقولوا ان هذا السلطان قد خاطبنا بما لا نفهم لأنه لم يخاطبهم بل خاطب المترجم ، وليس لهم أيضا ان يأتوا إلى كلام الملك ويحاولوا فهم معناه لعدم قابليتهم لفهمه لأنه رموز وكنايات بينه وبين من وجه الخطاب إليهم فربما فهموا من كلامه غير ما أراد كما اتفق في تفاسير الجمهور من حمل كلام الباري سبحانه على المحامل التي أرادوها بآراعهم الفاسدة . ومن هذا ذهب بعض مشائخنا المحققين إلى أن القرآن كله متشابه بالنسبة الينا لا يجوز لنا ان نتكلم في محكمه على ما هو الظاهر منه ، حتى أنه قد سأله بعض الأفاضل وانا كنت من الحاضرين في مسجد الجامع من شيراز فقال له ما تقول في قل هو اللّه أحد فإنها آية محكمة ظاهرة الدلالة على معناها ، فأجابه بأنّ الاحد ما معناه وما مبدء اشتقاقه وما الفرق بينه وبين الواحد ، وأطال الكلام في مثل هذا وطبق عليه ما روى من قوله عليه السّلام من فسّر القرآن برأيه فقد كفر ، فان ظاهره شمول كلّ آياته ولما انتهى بنا الحال إلى هنا فلا بأس بتحقيق هذا المقام ولم نر من حققه سوى شيخنا شيخ الطائفة طاب ثراه في تفسير التبيان وهذا كلامه . واعلم أن الرواية ظاهرة في اخبار أصحابنا في أن تفسير القرآن لا يجوز الا بالأثر الصحيح عن النبي صلّى اللّه عليه وآله أو عن الأئمة عليهم السّلام الذين قولهم حجة كقول النبي صلّى اللّه عليه وآله وان القول فيه بالرأي لا يجوز ، وروت العامة أيضا عن النبي صلّى اللّه عليه وآله أنه قال من فسّر القرآن برأيه فأصاب الحق فقد أخطأ وكره جماعة من التابعين وفقهاء المدينة القول في القرآن بالرأي كسعيد بن المسيب وعبيدة السلماني ونافع بن محمد بن القسم وسالم بن عبد اللّه وغيرهم ورووا عن عائشة انها قالت لم يكن النبي صلّى اللّه عليه وآله يفسّر القرآن الا ان يأتي به جبرئيل عليه السّلام والذي نقوله في ذلك أنه لا يجوز ان يكون في كلام اللّه تعالى وكلام نبيه صلّى اللّه عليه وآله تناقض وتضادّ وقد قال تعالى إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا ، وقال بلسان